ذات مرة في منتصف خمسينات القرن المنصرم وصف الرئيس الأمريكي الأشهر

” دوايت أيزنهاور” منطقة الشرق الأوسط، بأنها مثل الزرافة، وأن مصر هي

رقبة الزرافة، ومن يتحكم في رقبة الزرافة يتحكم في الشرق الأوسط.

لم يكن الرئيس أيزنهاور يناور أو يغالي، بل يصف حال العلاقات الأمريكية – الشرق أوسطية

بشكل عام، والأمريكية المصرية في ذلك الوقت بنوع خاص.

والثابت أن سيرة ومسيرة العلاقات الأمريكية المصرية طويلة وقديمة، منذ أن أرسلت مصر

جنودا لدعم المكسيك في حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية في الربع الأخير من

القرن التاسع عشر.

غير أنه مع منتصف القرن العشرين كان للخلاف أن ينشب بينهما، والعداء يستحكم،

وبخاصة عندما طلبت مصر من الأمريكيين تزويد جيشها بالسلاح، وباءت محاولاتها

بالفشل، بعد أن اشترط وزير الخارجية الأمريكي ” جون فوستر دالاس ” توقيع مصر

معاهدة سلام مع إسرائيل، والتفتيش على الجيش المصري الأمر الذي لقي رفضا مصريا تاما،

ودفع المصريين إلى عقد أول صفقة سلاح مع المعسكر الشرقي، تلك المعروفة باسم

“الأسلحة التشيكية” نسبة إلى تشيكوسلوفاكيا.

تعقدت العلاقات تاليا بين واشنطن والقاهرة من جراء رفض الأمريكيين تمويل بناء السد العالي،

لينخرط الاتحاد السوفيتي وليقدم تمويلا للسد على طبق من ذهب للقاهرة، لتتراجع حظوظ أمريكا

كثيرا إلى الوراء في الساحة المصرية.

ومع الدعم الأمريكي غير المحدود، لإسرائيل في حرب الأيام الستة العام 1967، وانحياز

” جونسون ” الفاضح لتل أبيب، انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ست سنوات تباعدت فيهما واشنطن عن القاهرة جملة وتفصيلا وارتمت الأخيرة في أحضان

موسكو، غير أنه وبعد حرب السادس من أكتوبر عام 1973 تحركت المياه الراكدة، بعد

جولات وزير خارجية أمريكا هنري كيسنجر المكوكية، والتي أدت إلى فض الاشتباك بين

الجيشين المصري والإسرائيلي، ومن بعدها تحدث الرئيس المصري الراحل أنور السادات

عن أوراق اللعبة الدولية، حيث ذهب إلى أن أمريكا تملك 99% منها.

كان قصد رئيس مصر وقتها أن الصراع العربي الإسرائيلي لا حل له خارج سياقات

ونطاقات الولايات المتحدة الأمريكية، وتاليا كان الطريق إلى القدس مدخلا واسعا إلى

الولايات المتحدة، لتتوج العلاقات المصرية الأمريكية باتفاقية كامب ديفيد التي رعاها الرئيس

الأمريكي الديمقراطي جيمي كارتر العام 1979 .

لم يهنأ السادات طويلا بثمار الاتفاقية، غير أن خلفه الرئيس الأسبق حسني مبارك قدر له أن

يعايش تحالفا مصريا أمريكيا امتد لثلاثة عقود، رعى فيها مصالح واشنطن، ودخل معها في

شراكات استراتيجية عميقة، ولم يدر بخلده أن المتحدث باسم البيت الأبيض ذات نهار من

فبراير شباط 2011 سيطالبه بالرحيل الفوري: “الآن يعني الآن “.

لماذا استدعاء الماضي في الوقت الحاضر؟

الأمر مرتبط ولاشك بزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه الأيام إلى واشنطن، وهي

المرة الثانية له في العاصمة واشنطن في حكم ترامب، واللقاء السادس بين الرجلين منذ أن

جمعتهما أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2016، وحينها كان ترامب مرشحا

جمهوريا للرئاسة الأمريكية.

يقول الراوي إن السيسي استشرف فوز ترمب مبكرا، في مواجهة المرشحة الديمقراطية هيلاري

كلينتون، وإن الكيمياء الشخصية قد تساوقت بين الرجلين بشكل غير مسبوق، فترامب نظر

بإعجاب وتقدير لجسارة السيسي في مواجهة الإرهاب، والجماعات الأصولية في مصر

وما حولها، والسيسي بدوره وجد في ترامب الشخص الصريح المريح، الذي لا يعرف المناورة

او المداورة السياسية التقليدية، وهذه أقصر الطرق في التعاطي مع رئيس تعد بلاده روما العصر،

مالئة الدنيا وشاغلة الناس.

عامان تقريبا من حكم الرئيس ترامب نجحت فيهما قنوات الدبلوماسية المصرية ونظيرتها

الأمريكية في إعادة المياه إلى قنواتها وجداولها الطبيعية، بعد أن ركدت في زمن باراك

أوباما، الذي جمد بعضا من المساعدات العسكرية لمصر، مصر التي لم تستأذن أحدا في

الثالث من يوليو 2013، مصر صاحبة القرار الوطني الذي لم يرتهن طوال السبعة آلاف

عام لأحد إلا للشعب المصري، ودائما ما كانت قواته المسلحة هي المجيب والملبي في التو واللحظة.

هل يعني ذلك أن التوافق المصري الأمريكي حكما أضحى تطابقا؟

الثابت استراتيجيا أن هذا النوع من العلاقات لا يوجد إلا في مخيال الشعراء وأدباء

“بلد المحبوب” أو “المدينة الفاضلة”، فالدول وبخاصة الكبرى مثل أمريكا، لها خطوط

طول وعرض، واستراتيجيات لتحقيق مصالح، تتعدل وتتبدل، تحافظ على الحد الأدنى

في علاقاتها مع الآخر أحيانا، وترفع سقف المواءمات أحيانا أخر.

عامان وخمسة أشهر تقريبا لترامب في البيت الأبيض ولا تزال هناك جيوب لا تحمل

الخير للإدارة المصرية الحالية، جيوب خلفتها هيلاري في وزارة الخارجية تحديدا،

وفي بعض مراكز الدراسات الممولة من قطر تحديدا، عطفا على وسائل إعلام

أمريكية شهيرة مطبوعة مثل النيويورك تايمز، ومرئية مثل أل ” سي أن أن “،

التي تكشفت فضائح استعانتها بمحللين لشؤون الأمن القومي، موضوعين على

كشوف مرتبات الدوحة في الأيام الأخيرة، وجميعها تحاول أن تضع العصا في

دواليب العلاقات المصرية الأمريكية ولكنها تفشل.

ولعل مرد الفشل هو أن مؤسسات عميقة وعريقة في الداخل الأمريكي في مقدمها

البنتاجون وجنرالاته، ومجمع الاستخبارات ورجالاته، يقدرون مصر حق قدرها،

ويتذكرون دعهما لهم في حروب علنية خلال العقود الأخيرة، وأخرى ضمن سياقات

ونطاقات الحرب على الإرهاب حول العالم .

يذهب السيسي إلى أمريكا والعلاقات العربية – الأمريكية تمر باستدارة استراتيجية

سلبية عميقة من جراء قرارات الرئيس الأمريكي في شأن القدس والجولان،

ما يلقي على عاتق الرئيس المصري تبعات ومسؤوليات جسام.

ومن الطبيعي أيضا أن تكون هناك ملفات مصرية عديدة على طاولة النقاش

ضمن الشراكة الاستراتيجية المصرية الأمريكية، ومن بينها العلاقات الاقتصادية،

والتطلع إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة، وزيادة المساعدات العسكرية، لاسيما وأن

مصر تقوم برأس الحربة في الشرق الأوسط لمكافحة الإرهاب، عطفا على الملفات

المفتوحة والنازفة في الجسد العربي من العراق إلى سوريا، ومن اليمن إلى ليبيا،

وتبقى القضية الفلسطينية ومآلاتها ملفا مفتوحا دوما وأبدا، وبنوع خاص في ضوء

ما يتردد عن رؤية أمريكية لحل نهائي، عرفت إعلاميا باسم صفقة القرن.

من دون شوفينية تبقى مصر رمانة ميزان لضمان تحقيق الأمن والاستقرار في

المنطقة، وربما لهذا تحدث الأدميرال ” تيرنر ” مدير الاستخبارات المركزية

الأمريكية عشية حفل توقيع اتفاق كامب ديفيد في البيت الأبيض، إلى الراحل الدكتور

علي السمان مستشار الرئيس السادات بالقول: “بعد صفقة الأسلحة التشيكية كان

على واشنطن أن تنتظر عشرين عاما قبل أن تسترد موقعها، وأن الأمريكيين

عازمون على بذل كل الجهد حتى لا يفقدوا مصر مرة ثانية”.

الخلاصة: في واشنطن أنت مدعو دوما إلى رسم صورتك كما تريد وحسب

مصالحك، فإن لم تفعل فهناك من سيذهب إلى رسمك كيفما لا تريد وبالضد من مصالحك.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here