اسباب فشل القومية العربية

0
38
افكار اليوم - القومية
للقومية سمعة سيئة اليوم، فهي في أذهان العديد من الغربيين المثقفين أيديولوجية خطرة. يعترف
البعض بفضائل الوطنية، التي تُفهم باعتبارها عاطفة الفرد الحميدة تجاه وطنه، لكنهم في الوقت ذاته
يرون أن القومية ذات أفق ضيق ولا أخلاقية، كما أنها تعزز الولاء الأعمى للدولة أكثر من الالتزام
الأعمق بالعدالة والإنسانية. في خطاب له في يناير/كانون الثاني 2019 أمام السلك الدبلوماسي لبلاده،
عبّر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن هذا بعبارات صارمة قائلا: “القومية سم أيديولوجي”.

في السنوات الأخيرة، سعى الشعبويون في الغرب إلى عكس هذه الهرمية الأخلاقية، وأكدوا بفخر
التزامهم بالقومية، ووعدوا بالدفاع عن مصالح الأغلبية ضد الأقليات المهاجرة والنخب بعيدة المنال.
أما نقادهم فيتمسكون في الوقت ذاته بالفصل بين القومية الخبيثة والوطنية النبيلة. وأعلن الرئيس الفرنسي
إيمانويل ماكرون في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، في إشارة ضمنية للرئيس الأميركي دونالد ترمب
الذي يصف نفسه بالقومي، أن “القومية خيانة للوطنية”.

إن التمييز بين الوطنية والقومية ينسجم مع رأي الباحثين الذين يمايزون بين القومية “المدنية”، التي
يعتبر كافة المواطنين بموجبها وبصرف النظر عن خلفياتهم الثقافية أعضاء في الأمة، وبين القومية
“الإثنية”، التي تتحدد فيها الهوية الوطنية تبعا للسلالة واللغة. إلا أن الجهود المبذولة لوضع حد فاصل
بين الوطنية المدنية الحميدة والقومية الإثنية السيئة تتجاهل الجذور المشتركة لكل منهما. فالوطنية
شكل من أشكال القومية؛ إنهما شقيقتان أيديولوجيتان لا بنات عمومة متباعدتان.   

في جوهرها، تشترك كل أشكال القومية في الأسس ذاتها: أولا أن أعضاء الأمة، وهم أي مجموعة
من المواطنين على قدم المساواة ولهم تاريخ ومصير سياسي مستقبلي مشترك، يجب أن يحكموا الدولة،
وثانيا، أن عليهم أثناء القيام بذلك الحرص على مصلحة الأمة. وهو ما يعني أن القومية ترفض الحكم
الأجنبي لمن هم أعضاء في أمم أخرى، كما هو الحال في الإمبراطوريات الاستعمارية والعديد من
الممالك الأسرية، وكذلك الحكام الذين يتجاهلون وجهات نظر واحتياجات الأغلبية.   

خلال القرنين الماضيين، دُمجت القومية في مختلف أنواع الأيديولوجيات السياسية الأخرى؛
فقد ازدهرت القومية الليبرالية في أوروبا وأميركا اللاتينية في القرن التاسع عشر، وانتصرت
القومية الفاشية في إيطاليا وألمانيا خلال فترة ما بين الحربين، وحفزت القومية الماركسية الحركات
المعادية للاستعمار التي انتشرت في الجنوب العالمي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. واليوم،
يقبل الجميع تقريبا، من اليسار واليمين، شرعية المبدأين الرئيسين للقومية. وهو ما يتضح أكثر
عند المقارنة بين القومية والمذاهب الأخرى لشرعية الدولة. ففي الأنظمة الثيوقراطية،
تحكم الدولة باسم الله، كما في الفاتيكان أو تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش).
وفي ممالك الأسر الحاكمة، تملك عائلة ما الدولة وتحكمها، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية.
وفي الاتحاد السوفيتي، حكمت الدولة باسم فئة البروليتاريا الدولية.

أترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here